أبي طالب المكي
347
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
فقلت : وتفعل هذا يا أبا عبد الله ؟ قال : نعم إذا بلغك عن قرية فيها رخص فأقم بها ، فإنه أسلم لدينك ، وأقلّ لهمّك ، وقد كان سري السقطي يقول للصوفية : إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار . ومن أفضل الأسفار ما خرج له في سبيل الله عزّ وجلّ من الجهاد والحجّ والرباط وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم زيارة أصحابه ، محتسبا بذلك ما عند الله عزّ وجلّ ، والسفر في زيارة الأخ في الله عزّ وجلّ مستحبّ مندوب إليه . روينا في خبر عن بعض أهل البيت عليهم السلام وقيل : مكتوب في التوراة سر ميلا عد مريضا . سر ميلين شيّع جنازة ، سر ثلاثة أميال أجب دعوة ، سر أربعة أميال زر أخا في الله تعالى . وفي الخبر : أنّ رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله عزّ وجلّ على مدرجته ملكا . فقال : أين تريد ؟ فقال : أخا لي في هذه القرية أزوره . قال : أبينك وبينه رحم تصلها ؟ قال : لا . قال : فله عليك نعمة تردها . قال : لا إلَّا أني أحببته في الله عزّ وجلّ . قال : فإني رسول الله إليك يبشرك بالجنة ويخبرك أنه قد غفر لك بزيارة أخيك ، وإن سافر إلى بعض الثغور ناويا رباط أربعين يوما أو ثلاثة أيام فحسن ، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثا فقد أسابها ثلاثمائة من العلماء والعباد للرباط فيها ما يجله وصفه . روي عن عليّ عليه السلام أنه سأل رجلا بالبصرة أن يرابط بعبادان ثلاثا ويشركه في صحبته . وقال بعض العارفين : كوشفت بالأمصار فرأيت الثغور كلها تسجد لعبادان ، ومن قصد في سفره أحد المساجد الثلاث المندوب إليها لشدّ الرحال فهو أفضل ، أولاها المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجد بيت المقدس . فيقال : من جمع الصلاة في هذه المساجد الثلاث من سنته غفرت له ذنوبه كلها ، ومن أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه . وخرج ابن عمر من المدينة قاصدا إلى بيت المقدس حتى صلَّى فيه الصلوات الخمس ، ثم كرّ راجعا من الغد إلى المدينة . وسأل سليمان عليه السلام ربه تعالى : إنّ من قصد هذا المسجد لا يهمه إلَّا الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه ، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله تعالى ذلك . وأما فضائل المسجدين في الحرمين حرم الله عزّ وجلّ وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم فأكثر من أن نذكرها ، وإن سافر طلبا للحلال وهو يأمن طعمة الحرام فذانك له قربتان . وقد فعله صالحو السلف في كل زمان ، وليكن العبد في سفره مراعيا لهمه ، حافظا لقلبه من التشتّت والطمع في الخلق ، والتعرّض للمسألة ، فإن لم يكن ذا معلوم معهود كان معلومه العلام الودود ، وكان طريقه إليه صدق التوكَّل ، وزاده في طريقه حسن التقوى له بصحة الأياس من الناس ، وعليه حينئذ الصبر على بلائه ، والرضا بتصريفه